
لاهوت الولاء الضيق:
عندما تغتال الطائفيّة فكرة الوطن.
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
بجهدٍ صادق، وبحسٍ عالٍ من المسؤولية الوطنية المستندة إلى عمق الالتزام الأخلاقي، أخطّ كل كلمة، وأصيغ كل فقرة، وأبني كل فكرة وقراءة ومقال. غايتي الأسمى والأزلية كانت ولم تزل:
" الوصول إلى ثقافة وطنية تجمع ولا تفرق، تؤلف ولا تشظّي"...
ومع ذلك، لا أزال أُصعق بحجم الانغلاق الفكري، وغياب الرغبة الحقيقية في التواصل والشراكة الوطنية، لاسيما عندما تتصدر "الطائفية" المشهد بذريعة الدين، ليتحالف الاثنان معاً على حساب تراجع الانتماء الحقيقي للوطن، وهنا نجد معضلتنا الكبرى تتجسد في :
الولاء الضيق والفرعي يتقدم على الانتماء الأعمق والأشمل، ذلك الانتماء الذي لن يكون لسورية وجود سياسي أو حضاري إن لم يتصدر المشهد السوري قولاً وفعلاً، ثقافة وممارسة.
أُصعق، ويملؤني الذهول، عندما أرى السوري (من طائفة الموحدين الدروز) يندفع غريزياً للدفاع الأعمى بمجرد أن يستشعر —وفق فهمه ومخاوفه— أنني أنال من شخص درزي آخر. تراه يخترع ويجد تبريرات ومسوغات لم أطلبها ولم تخطر حتى في بال إبليس، مدفوعاً بحمية طائفية غريزية تلغي العقل والمنطق وتغلب التضامن العصبوي على الحق والعدالة.
وأصعق أكثر، وأشعر بمرارة أشد، من السوري (العلوي) الذي قدم دماءً غزيرة وتضحيات هائلة، لكن —للمفارقة— حفاظاً على تبعيته وإهانته! لقد وافق هذا السوري على اختطافه واختطاف عائلته ومستقبل أبنائه لحساب بناء أمجاد وتثبيت كراسي أسرة ليس لها جذور حقيقية في سورية، وأقصد هنا "آل الأسد". حيث يشير الإجماع التاريخي والتحليلي إلى أنهم ليسوا عرباً، ولا سوريين، ولا يمتّون للمسلمين أو المسيحيين بصلة، بل هم (يهود) في الأصول، مع خلاف بين المؤرخين والباحثين حول ما إذا كانوا ينحدرون من "يهود الخزر" الإيرانيين أم من "يهود الدونما" الأتراك، ومع كل هذه الحقائق، تجد ذلك العلوي يمعن في تقديس حافظ وبشار، ويضعهم في مصاف الأنبياء والمرسلين والقديسين الأخيار، في حالة إنكار عجيبة للمصلحة والواقع والتاريخ...
باختصار:
إن السلوكيات الفكرية والنفسية المذكورة أعلاه تُمثّل تشخيصاً دقيقاً لمرض "العصبية الطائفية الفئوية"، وهي ظاهرة سلوكية مدمرة يمكن تفنيد مخاطرها وتداعياتها الكارثية على سورية، أرضاً وشعباً، من خلال النقاط التالية:
أولاً:
تغليب العصبية على الحقيقة (معضلة الدفاع الفئوي):
- إن اندفاع الفرد للدفاع عن ابن طائفته لمجرد الهوية المشتركة —كما في نموذج الموحدين الدروز المذكور— يعكس غياب "المعيار الأخلاقي المستقل". عندما تُستبدل قيم الحق والعدل بقاعدة "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" بمفهومها الجاهلي، تسقط إمكانية بناء دولة القانون، وتتحول الجماعات إلى جزر معزولة خائفة من بعضها البعض، تبحث عن عدو وهمي وتبرر أخطاء أفرادها وتدفع نحو الانعزال التام...
ثانياً:
- إن حالة التقديس التي يمارسها قطاع واسع من الطائفة العلوية لرموز أسرة الأسد، رغم المعرفة التامة بحجم الاستغلال والدماء التي دُفعت لتثبيت حكم هذه العائلة (التي تشير القراءات إلى أصولها اليهودية الغريبة عن نسيج المنطقة)، تُمثّل ذروة "الاختطاف الذهني"، هذا السلوك يحول الطائفة من شريك في الوطن إلى رهينة ومصدّ بشري لحماية سلطة عائلية لا تهتم بحياة أفراد الطائفة أنفسهم، بل تستخدمهم كوقود لبقائها، مما يؤدي إلى تعميق الفجوة والعداء مع بقية مكونات الشعب السوري...
ثالثاً:
تفتيت الهوية الوطنية الجامعة، لأن تقدم "الولاء الضيق" (سواء كان طائفياً، أو عائلياً، أو إثنياً) على حساب "الانتماء الأشمل" لسورية، يعني عملياً إعدام فكرة "المواطنة". عندما يرى المواطن أمنه ومستقبله في طائفته أو في الحاكم المستبد بدلاً من الدولة والدستور، يتفكك العقد الاجتماعي تلقائياً...
رابعاً:
- التداعيات المدمرة على الأرض والشعب إن استمرار هذه الأنماط الثقافية والسلوكية يحمل تداعيات وجودية على سورية؛ فهو يمنع أي أفق للحل السياسي الحقيقي، ويؤبد الصراع الأهلي الكامن، ويجعل البلاد ساحة مفتوحة للاختراقات والمشاريع الخارجية، لذا فإن النتيجة الحتمية لهذه السلوكيات هي استمرار تمزيق الجغرافيا السورية، وتهجير الشعب، وتحويل الوطن من كيان حضاري جامع إلى ركام من الكراهية المتبادلة والفقر الممنهج تحت وطأة ولاءات عمياء لا تبني وطناً ولا تحفظ كرامة إنسان...
خامساً:
أما جماعة ( احمدنا ) وتحديدا لثقافة الغلبة وخطاب الكراهية والاقصاء والإلغاء فحدث ولا حرج وليس لي أن أقول :
اللهم أعذ سورية والسوريين الذين لايفرق بينهم عرق ولا دين من شرورهم اللهم آمـــــــين.