
محاكمة أحمد بدر الدين حسون:
حين يجلس الخطاب الديني في قفص المساءلة.
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
ليست محاكمة مفتي الجمهورية العربية السورية السابق أحمد بدر الدين حسون حدثاً قضائياً عادياً يمكن إدراجه ضمن عشرات الملفات التي تنظر فيها المحاكم. فالرجل لم يكن موظفاً عاماً شغل منصباً إدارياً وانتهى دوره بانتهاء ولايته، بل كان طوال سنوات الحرب واحداً من أبرز الوجوه الدينية والسياسية التي ارتبط اسمها بالنظام السابق، وأحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل بسبب خطاباته ومواقفه العلنية خلال سنوات النزاع...
الجلسة الأولى التي انعقدت في القصر العدلي بدمشق لم تكن مجرد افتتاح لإجراءات قضائية، بل حملت في مضمونها أسئلة أكبر من شخص المتهم نفسه. إنها أسئلة تتعلق بحدود المسؤولية الأخلاقية والسياسية والدينية، وبإمكانية انتقال هذه المسؤولية إلى مستوى المسؤولية الجنائية أمام القضاء...
منذ اللحظات الأولى للجلسة بدا واضحاً أن القضية تتجاوز البعد الشخصي، حضور ممثلين عن منظمات حقوقية ووسائل إعلام، إلى جانب الاهتمام الشعبي والسياسي الواسع، يعكس حجم الرمزية التي تحملها هذه المحاكمة. فحسون لم يكن شاهداً على مرحلة من تاريخ سوريا فحسب، بل كان جزءاً من خطابها الرسمي وأحد المدافعين عنها في أصعب مراحلها وأكثرها دموية...
بحسب ما ورد في قرار الاتهام الذي تمت تلاوته أمام المحكمة، تتركز الملاحقة حول جملة من الأفعال التي ترى النيابة العامة أنها أسهمت في توفير غطاء ديني ومعنوي لسياسات وممارسات ارتبطت بالنزاع السوري، وتذهب الاتهامات إلى أبعد من مجرد تأييد سياسي أو إعلان موقف، إذ تحاول إثبات وجود دور تحريضي مستمر ساعد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على ترسيخ مناخ العنف وإضفاء شرعية دينية عليه...
وهنا تكمن العقدة القانونية الأساسية في هذه القضية، فالمحكمة لا تحاكم أفكاراً مجردة ولا آراء سياسية، وإنما يفترض أن تبحث في ما إذا كانت التصريحات والخطب والمواقف العلنية قد تجاوزت حدود التعبير والرأي إلى مستوى التحريض الذي يمكن أن يرتب مسؤولية جنائية، وهذا فارق جوهري، لأن العدالة لا تقوم على محاكمة المواقف مهما كانت مستفزة أو صادمة، بل على إثبات الصلة بين الأقوال والأفعال والنتائج المترتبة عليها...
ولهذا السبب ستكون الأدلة هي الفيصل الحقيقي في هذه المحاكمة، فالفيديوهات المسجلة والخطب الموثقة والشهادات والوثائق الرسمية لن تكون مجرد مواد إعلامية أو سياسية، بل ستتحول إلى عناصر إثبات تخضع للفحص والمناقشة والتدقيق القضائي، وستكون مهمة الادعاء إثبات أن ما صدر عن المتهم لم يكن مجرد تأييد سياسي، بل كان جزءاً من سلوك أسهم في وقوع جرائم أو شجع عليها بصورة يمكن للقانون أن يعاقب عليها...
في المقابل، يمتلك الدفاع حقاً كاملاً في الطعن بهذه الرواية، سواء عبر التشكيك في تفسير التصريحات المنسوبة إلى المتهم أو عبر نفي وجود أي علاقة سببية بينها وبين الأفعال التي ارتكبها آخرون، ومن هنا تبرز أهمية احترام جميع ضمانات المحاكمة العادلة، لأن قيمة أي حكم لن تقاس فقط بنتيجته، بل أيضاً بسلامة الطريق الذي أوصل إليه.
ومن الناحية الإجرائية، فإن علنية الجلسة وإتاحة المجال للمتابعة الإعلامية والحقوقية تمثلان مؤشراً إيجابياً على الشفافية، كما أن قرار تأجيل المحاكمة لإتاحة المجال أمام الدفاع لاستكمال تحضيراته ينسجم مع أبسط قواعد العدالة الجنائية، غير أن الاختبار الحقيقي لم يبدأ بعد، فالجلسات المقبلة هي التي ستكشف ما إذا كانت المحكمة قادرة على إدارة هذا الملف المعقد بعيداً عن ضغوط السياسة والانفعال الشعبي.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي عملية عدالة انتقالية هو الخلط بين العدالة والانتقام، فالعدالة تسعى إلى إثبات الوقائع وتحديد المسؤوليات الفردية وفق القانون، بينما يقوم الانتقام على الأحكام المسبقة والرغبة في الاقتصاص الجماعي، ولهذا فإن نجاح هذه المحاكمة لن يقاس بصدور حكم قاسٍ أو مخفف، وإنما بقدرة القضاء على إقناع السوريين بأن القانون وحده هو الذي يتكلم داخل قاعة المحكمة...
في النهاية:
لا تبدو محاكمة أحمد بدر الدين حسون مجرد محاكمة لشخص شغل منصب المفتي لسنوات طويلة، بل تبدو محاكمة لمرحلة كاملة من تاريخ سورية، إنها لحظة تختبر فيها الدولة والمجتمع معاً قدرة القضاء على معالجة إرث ثقيل من الصراع والانقسام، وبينما تبقى قرينة البراءة قائمة حتى صدور حكم مبرم، فإن الجلسات المقبلة ستحدد ما إذا كانت هذه القضية ستتحول إلى نموذج للعدالة الانتقالية الرصينة، أم إلى محطة جديدة في صراع السوريين مع ماضيهم القريب.