--:--
وصل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى إسلام آباد لبحث ملفات اقتصادية وإقليمية. وتأتي الزيارة لمتابعة مسار تطبيق بنود تفاهمات طهران وواشنطن الأخيرة، وتثمين جهود الوساطة والدور الدبلوماسي لباكستان. تستضيف واشنطن برعاية أمريكية الجولة 5 من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية بمشاركة سياسية وعسكرية، لبحث مقترح "المناطق التجريبية" وتثبيت الهدنة بالجنوب، وسط تحديات وخروقات ميدانية مستمرة. #عاجل | رئاسة الوزراء اللبنانية: سلام وماكرون بحثا تأمين الظروف لعقد مؤتمرين لدعم الجيش وإعادة الإعمار #عاجل | مراسل #الجزيرة: بدء الجولة الـ5 من المفاوضات بين #لبنان وإسرائيل في مقر الخارجية الأمريكية بواشنطن روبيو من أبوظبي: لا استقرار في الشرق الأوسط ما دامت أذرع إيران تواصل الهجمات عُمان تقود ترتيبات ممرات مؤقتة في الخليج بالتنسيق مع “IMO” وسط سباق إقليمي على إدارة أمن المضيق

بين إغراء الدور الإقليمي ومخاطر التورط: هل تتجه دمشق نحو إعادة إنتاج التجربة اللبنانية

Salah Kirata • ٢٤‏/٦‏/٢٠٢٦


50280.jpg
بين إغراء الدور الإقليمي ومخاطر التورط: 
هل تتجه دمشق نحو إعادة إنتاج التجربة اللبنانية؟.

بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

في تاريخ المشرق العربي دروس كثيرة، لكن أكثر ما يلفت الانتباه أن بعض التجارب تبدو وكأنها محكومة بالعودة في كل جيل بصيغ مختلفة وأسماء جديدة، فالأحداث تتغير، واللاعبون يتبدلون، غير أن منطق التفكير نفسه يبقى حاضراً وهو:
" الاعتقاد بأن أزمات الجوار يمكن إدارتها من الخارج، وأن النفوذ السياسي والعسكري قادر على إنتاج الاستقرار حيث فشلت التسويات الوطنية"...

خلال الأسابيع الأخيرة تصاعدت أحاديث عن ترتيبات أمنية محتملة في الساحة اللبنانية، وعن أدوار قد تُطلب من دمشق في إطار إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، ورغم غياب المؤشرات الحاسمة التي تؤكد وجود قرار نهائي بهذا الاتجاه، فإن مجرد تداول هذه السيناريوهات يثير أسئلة مشروعة حول حدود الدور السوري الممكن، وحول قدرة الدولة السورية، وهي الخارجة من سنوات طويلة من الحرب والتفكك، على تحمل أعباء ملفات تتجاوز حدودها الوطنية...

المشكلة لا تكمن في العلاقة الطبيعية بين دولتين جارتين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة، بل في الاعتقاد بأن لبنان يمكن أن يتحول مرة أخرى إلى ساحة تُدار عبر ترتيبات فوقية أو عبر تفاهمات إقليمية تتجاوز التوازنات الداخلية المعقدة. فالتجربة أثبتت أن الأزمات اللبنانية لا تستجيب للحلول العسكرية، وأن أي طرف يدخل المشهد اللبناني باعتباره صاحب القدرة على فرض الاستقرار يجد نفسه سريعاً جزءاً من المشكلة بدلاً من أن يكون جزءاً من الحل...

في المقابل:
تبدو سورية اليوم أمام تحديات داخلية ضخمة لا تقل أهمية عن أي ملف إقليمي آخر، فإعادة بناء مؤسسات الدولة، واستعادة الاقتصاد لعافيته، وترميم النسيج الاجتماعي الذي أنهكته سنوات الحرب، كلها استحقاقات تتطلب تركيزاً سياسياً وأمنياً ومالياً هائلاً، ومن الصعب تصور أن دولة لا تزال في مرحلة إعادة التشكل تستطيع خوض مغامرات خارجية دون أن ينعكس ذلك على استقرارها الداخلي...

كما أن التعويل على رغبات القوى الدولية في توزيع الأدوار الإقليمية ينطوي على قدر كبير من المخاطرة، فالدول الكبرى تتحرك وفق مصالحها المتغيرة، وما يبدو اليوم فرصة استراتيجية قد يتحول غداً إلى عبء سياسي وأمني. تاريخ المنطقة مليء بأمثلة لقوى محلية اعتقدت أنها أصبحت شريكاً دائماً في ترتيبات دولية، قبل أن تكتشف أنها كانت مجرد أداة مؤقتة في حسابات أكبر منها...

أما لبنان نفسه:
 فإن معضلة السلاح والسيادة والتمثيل السياسي لا يمكن أن تُحل إلا عبر تسوية لبنانية داخلية مدعومة بإجماع عربي ودولي يحترم استقلال القرار الوطني،  ففرض الحلول من الخارج قد ينجح في تجميد الأزمة لبعض الوقت، لكنه لا ينجح في معالجتها من جذورها، والواقع أن التجارب السابقة أثبتت أن أي توازن يُفرض بالقوة يبقى هشاً وقابلاً للانفجار عند أول تغير في البيئة الإقليمية...

خلال الأشهر والسنوات القادمة يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
 الأول:
 وهو الأكثر إيجابية، أن تتجه دمشق إلى إعطاء الأولوية لإعادة بناء الدولة والانخراط في علاقات متوازنة مع لبنان تقوم على التعاون الاقتصادي والأمني المنضبط دون تدخل مباشر في معادلاته الداخلية...
أما السيناريو الثاني:
 فيقوم على انخراط محدود عبر تفاهمات أمنية مؤقتة، وهو خيار قد يمنح مكاسب سياسية سريعة لكنه يحمل في طياته مخاطر التوسع التدريجي نحو أدوار أكبر يصعب التحكم بنتائجها...
 بينما يبقى السيناريو الثالث، والأكثر خطورة، هو الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة أو شبه مفتوحة داخل الساحة اللبنانية، بما يعيد استحضار خطوط الانقسام القديمة ويخلق بؤرة توتر جديدة تمتد آثارها إلى سوريا نفسها...

من هنا تبدو الحكمة السياسية اليوم في تجنب إغراء الأدوار الكبرى والتركيز على بناء القوة الوطنية من الداخل، فالدول لا تقاس بحجم الملفات التي تتدخل فيها، بل بقدرتها على تحقيق الاستقرار والتنمية داخل حدودها أولاً...

 ولعل الدرس الأهم الذي يقدمه تاريخ المشرق هو أن النفوذ العابر قد يمنح مكاسب مؤقتة، أما بناء الدولة فهو الاستثمار الوحيد الذي يبقى عندما تتبدل التحالفات وتتغير خرائط المصالح...

وفي منطقة لم تتعافَ بعد من حروبها المتلاحقة، قد يكون الخيار الأكثر عقلانية لجميع الأطراف هو حماية ما تبقى من فرص الاستقرار، لا البحث عن أدوار جديدة في ساحات لم تغادر بعد إرث أزماتها القديمة.